Header ad
left-side
left-side

حزين عمر يكتب / السوريون فى مصر بين الترحيب والطرد

حزين عمر يكتب / السوريون فى مصر بين الترحيب والطرد


“اتلم الشامي علي المغربي” ..تعبير دارج شائع علي ألسنة المصريين ، يمكننا أن نضيف إليه تعبيرات أخري توحي بالتناقض والتباعد ، مثل : اتلم القديم علي الجديد ، واتلم الشرق علي الغرب !!
والجملة هذه هي خميرة التركيبة المصرية المعتقة التي عُجنتْ منها الشخصية المعروفة حاليا .فإذا قلت إن المواطن المصري الآن هو المواطن القديم ــ قبل آلاف السنين ــ فلا ضير ، وإن قلت إنه الإغريقي مع الروماني مع الفارسي مع الهكسوسي ، فممكن. وإن رأيته العربي الإسلامي المسيحي ، فطبيعي أن يكون كذلك ، وإن تذكرت الطبقة الحضارية الأحدث له بعد ورود الآسيويين ( المماليك ) والأتراك والفرنسيين والإيطاليين والانجليز ، فهذه حقيقة..وفي السياق ذاته نستطيع أن نتوقف عند خيط بعينه من الخيوط المتراكمة والمتشابكة للشخصية المصرية الحية المتجددة هذه ، وهو خيط ( الشوام ) طوال القرنين الماضيين تحديدا ..فهم أنشط شريحة عربية وردت إلي مصر ــ كالمغاربة ــ وأكثرها تأثيرا ، ناقلين معهم فن المسرح الحديث ، ومنشئين لنا صحفنا الكبيري : الأهرام ودار الهلال ورزاليوسف ، وليس لنا إلا الجمهورية ــ التي أنشأتها ثورة يوليو ــ وقبلها الأخبار ..ومازالت عائلات الشوام المصرية حاملة لمشاعل الثقافة والصحافة والوعي ، ومنها عائلة النقاش مثلا.
السطح الظاهر من السبيكة المصرية لا يغيب عنه الشوام بالذات ، وتدعمت هذه السبيكة خلال الأعوام الماضية بورود مئات الآلاف منهم إلي مصر اضطراريا ــ كالعادة غالبا بصفة مصر أرض العرب أجمعين ــ بعد محاولات إسقاط الدولة السورية والجيش السوري : أحد أذرع القوة المصرية والعربية ..ومن المؤكد أن الهاربين من الحرب الأهلية في سوريا خليط غير متجانس : فكريا وسياسيا واقتصاديا : فمنهم السني والشيعي والإخواني والوهابي والمسيحي والفقير والثري …وإن كان العنصر الإخواني ــ كما نظن ــ ليس في توحشه بمصر وغيرها من البلدان الأخري ، من حيث الكثافة العددية.
مؤخرا طفت علي السطح مشكلات هذه الهجرة الشامية : السورية الجديدة لمصر ، التي لا تؤويهم في مخيمات معزولة كغيرها ، بل بين أهلها ومدنها وقراها ..وشيئا فشيئا أضحوا أصحاب املاك ومصانع ومتاجر ومعارض ومطاعم..أضحوا شبه مواطنين .
ولهذا المستوي من الترحيب بهم ميزاته وعيوبه..فهم قد سدوا ثغرات في بعض مواقع العمالة ، وفتحوا أبواب التنافس لتحسين السلعة المقدمة للشعب ، وضخوا مليارات ، يقال أكثر من عشرين مليار دولار في الجسد الاقتصادي المصري ، وشاركوا في كسر احتكارات بعض السلع والمنتجات ..وهو الباب نفسه ــ الاحتكارات ــ الذي قد يكون وراء ما يثار الآن فجاة ضدهم ..ومن مطالبات بطردهم ومحاسبتهم .
ولا ينبغي أخذ الأمر بحسن نية دائما وبدافع قومي وغنساني ، بل النظر في توجسات المنتفضين ضد السوريين بمصر . ومن هذه التوجسات ، ولا ندري إن كانت معلومات ، أن الإخوان هم من أرسلوهم من تركيا وسوريا لإثارة الشغب يوما ما ، وهم من يمولونهم ، وأن تركيا وقطر وراء الغنفاق عليهم لتستخدمهم ضد الدولة المضيفة ، وليكونوا شوكة في جنبها وقت الضرورة .
وهذه التوجسات أو المعلومات علينا التعامل معها في الحالتين : فإن كانوا من الإخوان الإرهابيين أو المتعاطفين معهم ، فعلينا أن نسعي لاحتوائهم وتجنيدهم ، وأن نخترق الإخوان وأساليبهم من خلال هؤلاء العملاء ..وإن كانت تركيا دربتهم عسكريا قبل إرسالهم إلينا ، فلمَ لا نقوم بغسيل أمخاخهم ونوظف هذا التدريب لصالحنا ونستخدمهم ضد تركيا وغيرها ؟؟!!
وإذا كان تمويلهم إخوانيا وقطريا فلمَ لا نوظف هذا التمويل في اقتصاد منتج ، وفي تحصيل ضرائب ، ووضع ضوابط له وتوجيهه لخدمة مصر لا للإضرار بها؟؟!! وعينا أن نتوقع أن تكون الحملة الراهنة مدفوعة بخطر حقيقي ، أو أن تكون مدفوعة بعمليات المنافسة التجارية والاحتكارات والمنافع الخاصة لبعض من أصحاب السلطة ..وبعض أصحاب السلطة هؤلاء يمتلكون مشروعات بأسماء أهلهم ومعارفهم ، وربما تضررت هذه المشروعات من السوريين وأنشطتهم التجارية .
ما ينبغي أن يلتفت إليه صاحب القرار الأخير بشأن هؤلاء السوريين ــ ترحيبا أو ترحيلا ــ هو عدم وضعهم جميعا في سلة واحدة ، والأخذ في العتبار كل هذه التساؤلات قبل اتخاذ القرار .. حــــــزين عمـــر

Hits: 44

مقالات ذات صله

%d مدونون معجبون بهذه: