سلايدرمقالات

وفاء العنزي تكتب من المغرب،، ربيع قريتي

أغلق الحزن أبواب بيتي،وحاصرتني تلال الإحباط من كل مكان،فانتظرت قدوم الربيع لأهرب لقريتي من وعثاء الحياة وفوضاها،فهو الفصل الأقل قسوة علي بين الفصول،هو الفصل الذي يوحي لي بأمل جديد في شيئ قد انتهى ومضى،هو سيد الفصول وعروسه،إنه فصل التفاؤل والحياة والأمل الجديد.
فبعدما ودعت قريتي شتائها الجميل، أخذت تستعد لعرسها،ففي قلب كل شتاء لها ربيع نابض،والشتاء بقريتي له دفء خاص،لها نسيم يرق ويرق بعد ليل طويل من صقيع وزمهرير وقطرات ندية في فبراير تروي الجذور الجافة،فينشر الربيع ثوبا قد طواه ليل الشتاء ورماه على أشجار التفاح لتعانق أشجار الخوخ كمعاشر العشاق،وأخذت قريتي تتزين لتستقبل ألق مارس الخالد،فزينت الدنيا بعرس الطبيعة الذي أقيم على أنغام أوركسترا المياه العذبة،وطير تنطلق من حناجرها نغمات من صنع الله،وفراشات تتراقص بألوانها المثيرة،تحط على الأزهار المخضرة بدموع الصباح لتمتص رحيقها الفواح،وولادة جديدة للأرض بعد غفوتها لتطلق زغاريدها مشتركة في ذلك مع الشمس والقمر والغيوم والسماء والحياة برمتها ،ويأتي المساء فتضم الزهرة أوراقها وتنام معانقة شوقها ،وحينما يأتي الصباح تفتح شفتيها لتقبل الشمس فقبلة الصباح هي وردة المساء
فالطبيعة بقريتي تفتح ذراعيها لي لتخرج أجمل ما فيها،وترتدي أجمل ثيابها المزركشة بأبهى الألوان الزاهية،تتعطر بأرق العطور،وتستيقظ الحيوانات من نومها العميق،فتتراقص الزهور فرحا بقدومي وقدوم الربيع معا،ترتوي الأرض من ماء السماء ويرتوي قلبي من غيث أنجدني من براثن الحزن لتتناثر كل آلامي،فامتلأت السدود لتروي كل ضمآن،فأزهر قلبي،وانتعشت روحي وتناثرت أحرفي واكتملت كل مشاعري.
فطوبى لربيع الأرض بقريتي،حين يأتي في كل مرة ليزرع الحياة في جنبات الروح والطبيعة والمجد،لشمسه التي لا تقسو ولنسمات هوائه العليلة،ولوروده المتفتحة وعطائه الذي لا ينضب ونور بهجته وحب قصيده ونبات ناجمه.
فنشوة الحياة بنشوة الربيع، ونشوة الربيع بنشوة الكلمةونشوة الكلمة بنشوة المعنى،والعاشق لا يعرف لليأس طريقا،وأنا عاشقة للحياة،وللربيع بقريتي،أكشف قبح الحياة بأجمل الكلمات وأنشر الفرح والمرح،وأدعو إلى التفاؤل والانتصار على الدهر،فأنا الضاحكة الباكية،الحكيمة المتهكمة،المنتصرة الضعيفة،القوية المستكينة، العاشقة الزاهدة،أجاهد في صنع أيام مليئة بالرحابة وسعة الخاطر والاحتواء،فقلبي من القلوب التي متى ماهوت احتوت،هو محور احتواء للعديد من الخلق،ولا يغفو قلبي إلا بعد أن تغفو جميع القلوب، يا لها من مكانة حينما يختارك الرحمان لهذا،جاهدت كي أصل بأمان،ولن أصل إلى حديقة النجاح دون أن أمر بمحطات التعب والفشل واليأس،ولم أطيل الوقوف في هذه المحطات لأني صاحبة إرادة قوية وعزيمة صلبة.
جاء الربيع ليتدفق عطائي وتتجدد قوتي،فانبعث الأمل في حياتي،بتجدد مظاهر الحياة واستراحت حواسي بجمال الطبيعة وهدوئها هنا بقريتي الساحرة الأخادة.
فلم يكن من الصعب علي أن أمتطي دواتي في يوم ربيعي جميل،حتى أصف قريتي الصغيرة التي مازالت الأم الرؤوم لكل الساكنين فيها،يطلق على قريتي اسم”اولاد شتوان”،وهي بعيدة بعض الشيئ عن المدينة ،توجد غرب المغرب،يقطنها أكثر من ألف شخص،لم تكن مكتظة بالسكان بل كان السكان فيها كالزهور التي تزين طبقا من الفضة، تغلب على قريتي مظاهر الطبيعة الفتانة الفاتنة، فأنا أراها في كل الفصول جميلة،إذ لا تكاد تسقط وردة حتى تنبث أختها وهكذا طيلة العام،لم يكن لأهل قريتي نصيب من رؤية اللوحات الفنية العالمية مثل لوحة الموناليزا او الجوكاندا،لكنهم كانوا يرسمونها عن طريق اللوحات الحية التي يعاينونها في كل آن وكل فصل،فلا شيئ يعلو على الطبيعة البديعة الرائعةبقريتي ،فأزهار قريتي لا تشبه الأزهار الأخرى،فهي تعقد في كل يوم جلسة تتحدث فيها عن الأمور التي رأتها وتعايشها كل يوم مع أهل قريتي فتنثر أريج عطرها في ارضها السمراء،وتحكي الرياح كل يوم قصتها مع الفتيات،فهي تلاعب شعرهن،وتلمس بأناملها وجوههن اللطيفة الرقيقة البريئة التي غفت على حكايات الجدة بالليل،وتلاعب الأغصان أوراق شجرها في زقزقة تشبه ألحان بتهوفن،
إنني أشعر باستمرار بأني معرضة لكمين من الجمال الساذج لقريتي،ولا أحاول أن احتاط من مكر طبيعتها،فلربيع قريتي نسمة وبسمة ترافقه شذى القبلات من الأزهار والاشجار،من التلال والهضاب،من جميع الكائنات،فقد سيطرت طبيعة قريتي على الجميع،ففي عمقها ينبعث حب خالص ويظهر زهرها وازدهارها في كل مكان.
اما عوائل القرية،فهم لا زالوا يحتفظون بطقوس مشتركة فيما بينهم، أغلب الآباء والأجداد من الفلاحين،لم يكملوا دراستهم في مدرسة القرية،بل في مدرسة الحياة،مقاعد دراستهم كانت الأرض،أقلامهم المعاول،ممحاتهم الرفس،علاماتهم الحصاد وعتلته، معلمتهم التربة، تبنتهم أ م معطاءة حنون(الأرض) ، في سن صغيرة،علمتهم الكثير وأعطتهم الأكثر.
اما شباب قريتي ،فهم براعم الربيع لشجرة ظلالها وارفة،،فقريتي لم تكن أبدا قاسية على أبنائها ،بل ،رأفت وكفت واستوفت، وأعتز وافتخر بالأنتماء لها.
تعلمت وانا في سكني المطل على الحديقة كيف أفرق بين النزلاء دون أن أراهم،تعلمت كيف أميز بين الشجر والماء والريح و….بمجرد سماع اصواتهم،ومرارا. تحين لي فرصة التمعن في عظمة الله،مأخوذة انا بسحر ذلك المنظر ،أكون في شبه صلاة روحية بخشوع فكري وجلالة تغمر النفس فرحا وتجدو علي القريحة شعرا ،فالعين لا تفتأ تنظر إلى ذلك المنظر ولا تتعب من ذلك ولا تحس بالعياء ولا الفتور،فأبدل أحزان قلبي بأفراح اصوات ذات أغاني عاطفية خافتة يدبحها الشجر، ومرارا أجلس أسامر وحدتي وأناجي نفسي، واقطف الورد في غنوة حياتي،وأعيش في الرياض بكرة عمري،وأتنسم أريج الربيع الغامر،وأغمس قلبي في فيض اللذة النقية الطاهرة.،وأعيش في ذلك العش الحميم هربا من بين اضراس وحش المدينة،ولن تجبرني قط الظروف للعيش بعيدة عن قريتي… فقريتي هي.أملي….وفرحتي،
، أحس بأنفاسها مثل ما أحس بأنفاسي،أخرج لوحدي في بكور الصباح فقط لأتغزل بجمالها،وأجد الحياة في أبهى صورها وانا فيها،فقريتي زينة القرى.
مودتي ومحبتي وفاء العنزي

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق