سلايدرمقالات

الكاتب والمفكر حزين عمر يكتب / المثقف الوطني بين الإلتزام والتبعية

صنــاعة الفكـــر .. لا الســـــير علي خُطــــا القطيـــــــــع !!

في عالم الحيوان ، السير مع القطيع يقي الحيوان من الافتراس !! وفي عالم البشر السير علي خطا القطيع ، يؤدي إلي قتل الإنسان : إبداعا وعقلا وخيالا ، وإن لم يقتله جسدا وشكلا وهيكلا !!
المبادرة العقلية، والتفرد ، وارتقاء الذائقة ، وإطلاق الخيال ، والتعبير عن الموقف بلسان وقلم مبين ، صفاتٌ لا يتسم بها إلا فئتنا من الناس : الأنبياء ، وهم ملهمون من السماء ،ولا يد لهم ، بل لا فضل في تفردهم وامتيازهم ، إنما هو فضل من الله..أما الفئة الثانية فهي أهل العلم والعقل والإبداع من المفكرين ..ومع خط الدين عبر التاريخ البشري يسير خط الفكر والفلسفة والإبداع..فيضع الفلاسفة والمفكرون أنظمة الحكم وناموس الدول في العصر الإغريقي والروماني قبل الديانات السماوية الثلاث بآلاف السنين ..ثم يعودون إلي قيادة الإنسانية في العصر الحديث ،انطلاقا من اوربا ، التي أرسوا فيها مذاهب الفلسفة الحديثة والفكر والحكم والحرية والإبداع ..فأصبح المفكرون أنبياء هذا الزمان.
ولم يكن طريقهم غير ركام من الاشواك والاهوال والرفض الجماهيري ، الذي وصل إلي حد قتلهم وإحراقهم ، منذ قتل سقراط سُمَّاً ، حتي قتل فرج فودة ، مرورا بقتل المتنبي !! والناس ن الجماهير ، العامة ، القطيع ، ينظرون للجريمة العظمي بحياد ، وقد لا ينظرون ، وقد لا يعلمون، وقد يدفعون إليها الحكام دفعا !! ثم ما يلبث هذا الجمهور أن يأخذ بمقولات أهل الفكر ، وأن يتتبع طرائقهم ، فينتقل بأفكارهم خطوة إلي الأمام في سبيل الحضارة الطويل.
من قُتل ومن لم يُقتل من أهل الفكر والعلم ، ومن عاش منهم عمرا طويلا أو قصيرا ، يتفقون جميعا في أنهم أصحاب موقف تقدمي ، ويدفعون ثمن موقفهم عن طيب خاطر ، ويرون ما لا يراه العامة والقطيع البشري…ويتخذون من التاريخ والماضي سفينة استكشاف للغد والمستقبل ..بدون تاثر بمواقف القطيع أو الاكثرية أو العامة التي تنطلق من تحت الاقدام ، ومن السمع والطاعة ، ومن إشباع الحاجات اليومية الضرورية ــ وهي مشروعة ــ طعاما وشرابا وجنسا وسكنا وعلاجا . وهذه الحاجات البشرية الضرورية العاجلة تصب أكثرية الناس وقطيع البشر في قالب واحد متشابه متماثل مشترك.. ولولا تطلع أهل الفكر وشفافيتهم وامتلاكهم أعين زرقاء اليمامة ، لتجمد البشر في قوالبهم هذه ، وتكلست أجسادهم وأرواحهم فيها..وكذلك لوقعت الأمم والدول في خطاياها نفسها كل يوم وكل عصر.. وعلي قدر النظر والانحياز لرؤية المفكرين تتقي الأمم والدول السقوط والانهيار ، وتندفع إلي الامام.وعلي قدر أخذها بالعلم والفكر تمتلك أدوات السيطرة المادية والمعنوية علي غيرها من الأمم.
* * *
وحالة مصر ومفكريها ليست ببعيدة عن سياق الحياة البشرية ..وموقعها الآن ، وقبل الآن ، وبعده ، يعود إلي مدي أخذها برؤية المفكرين والعلماء ..وكذلك مدي تصدي هؤلاء المفكرين والمثقفين للتفكير من أجل الغد ، ومن أجل الوطن ، ومن أجل العامة الذين لا يدركون هذا !! وهنا يبدو كل مفكر جيشا بذاته ، وقوة غير نمطية . وحالة مصر الآن ترضي كل مفكر من أبنائها المنطلقين من حضارتها وهويتها وهمومها ، لا من حسابات الذات والمنفعة الشخصية ..لأن الدولة المصرية الآن تسير علي خطا تقدمية تحديثية مستنيرة بناءة ، بعيدا عن الجمود والانتهازية والهمجية والتوحش الذي تدعو إليه تنظيمات متطرفة تصب كل أعضائها من القطيع في قوالب تتكلس بها أجسادهم وأرواحهم وبشريتهم !!
* * *
والمفكر الذي يري دولة تُبني ، وصروحا تقام ، وإرادة وطنية تتحقق ، ليس له إلا أن يهتف : هذه بضاعتنا رُدت إلينا !! واحتفاؤه بما يحدث الآن ليس تبعية لحكومة أو نظام سياسي ، بل لأن الحكومة والنظام السياسي في وطننا الآن يسير علي خطا المفكرين الوطنيين ــ لا المأجورين أو الزائفين ــ فإذا شققنا نحن طريقا وسار فيه نظامنا السياسي فليس علينا أن نضع العراقيل أمام أقدامه ، وليس لنا أن نأخذ بموقف تنظيمات الإرهاب والتوحش والهمجية ــ إخوانا وغير إخوان ــ وليس لنا أن ننجرَّ وراء أحداث فردية عابرة : قتلا لشخص في قطار ، أو مشاجرة بين شباب ، أو اغتصابا لطفلة ..فالحادث الفردي العابر والتصرف الشخصي الإجرامي والسلوك الدموي غير الإنساني ليس صنع الدولة ، ولا يد للنظام السياسي فيه ، بل علي النظام السياسي ألا يتدخل وينحاز ويطلق صراخات وانفعالات !! لأن كيانا رصينا من كيانات الدولة معنيٌّ بهذه الجرائم والأحداث ، هو الكيان القضائي ..لا الكيان السياسي …واحترام التخصص والسلطات الدستورية ضرورة حتمية لإقامة أعمدة الدول القوية .. فليعالج الطبيب مرضاه ، وليصلح الميكانيكي سياراتنا ، وليعلم المدرس أبناءنا ، وليحكم القاضي بيننا ، وليتوقف المأجورون والجهلاء والبكاءون والمضلَّلون من العامة عن الولولة ، ودفعنا في طريق القطيع !!! حـــــزيــن عـمــــــــر

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق