سلايدرمؤتمرات

خلال المؤتمر الدولي الألكتروني بالكويت لمناقشة الاوبئة عبر التاريخ ” عالم مصري يجيب ٠٠كيف واجهت الشعوب العربية القديمة الاوبئة القاتلة

 

بمشاركة أكثر من 70 عالم في مختلف التخصصات عُقد المؤتمر الدولي الإلكتروني الأول لقسم التاريخ والآثار بكلية الآداب جامعة الكويت فعالياته تحت عنوان “الأوبئة عبر التاريخ” في الفترة من 20-21 إبريل 2020م، لمناقشة الأوبئة القاتلة عبر فترات التاريخ المختلفة في ظل ما نشهده من إنتشار وباء كورونا القاتل وإتخاذ الإجراءات الاحترازية لمواجهته.
ويلقي الدكتور محمد جلال محمود عبدة أستاذ حضارات الشرق الآدني القديم بقسم آثار شبة الجزيرة العربية كلية الآثار والإرشاد السياحي بجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا ورقة بحثية ضمن فعاليات المؤتمر بعنوان:
الأوبئة في نقوش حضارات شبة الجزيرة العربية القديمة دراسة في “أسباب الانتشار وأساليب العلاج»
يجيب فيها عن سؤال يثير اهتمام العالم الآن في ظل مواجهة وباء كورونا القاتل ألا وهو كيف واجهت الشعوب القديمة الأوبئة التي تعرضت لها حتى إنحسرت وزال أثرها.
وفي هذا الصدد أوضح د. جلال أن من أهداف ورقتة البحثية إلقاء الضوء على الأوبئة التي انتشرت في شبه الجزيرة العربية في العصور القديمة، وذلك من خلال دراسة النقوش الدالة على ذلك في نصوص الكتابات التي أُستخدمت من قبل المجتمعات العربية أنذاك، مثل: المسند بشقيه الجنوبي والشمالي (الثمودي، الصفائي، واللحياني)، وكذلك الأرامي، والنبطي.
وكذلك أسباب انتشار تلك الأوبئة، متسائلين عن آليات هذا الانتشار، وكيفية تعامل تلك الشعوب والقبائل مع هذه الأمراض والأوبئة، وما هي حدود الجانب الديني في هذا الأمر؟.
وأسرد د. جلال قائلاً أن الطاعون من الأمراض التي انتشرت بشكل واضح في المجتمع العربي قبل الإسلام، فعلى سبيل المثال رصدت النقوش اللحيانية هذا المرض عندما دعا اللحياني “أَسْد بن هتام” على من يخرب نقشه الإصابة بمرض الطاعون، بقوله: “يا (المعبود) ذي غيبة أتلف بالطاعون من يخرب (النقش)». وفي هذا إشارة واضحة أن أَسد، اختار أشد الأمراض فتكًا لتخويف المخربين والعابثين بهذه النقوش في تلك الفترة، والسعي إلي ردعهم عن هذا العبث والتخريب.
وقد ورد أيضاً هذا الوباء في النقوش المسندية الجنوبية بمسمى آخر هو (ع و س) إشارة إلى وباء الطاعون حيث ظهر في نقش أبرهة النقش CIH 541 ودلَّ النص علي طريقة مواجهة ذلك الوباء أنذاك حيث أمر أبرهة بالتفرق والإنصراف والتحصن بقلعة كدور وعندما انتهي الوباء عاودت القبائل الاجتماع مجدداً في إشارة بالغة الدقة إلى طريقة القضاء على المرض مثلما فعل رسول الله صلي الله علية وسلم عليه أفضل الصلاة والسلام حيثة نبة إلى كيفية التعامل مع مثل هذه الأوبئة وهو “العزل”؛ بقوله صلى الله عليه وسلم “إذا سمعتم بالطاعون في بلد فلا تدخلوها، وإن كنتم فيها فلا تخرجوا منها”؛
وقد ظهرت العديد من المصطلحات أيضاً الدالة علي الأوبئة في المعجم السبئي مثل “ض ل ل« بمعني مرض أو وباء، ومصطلح “ذ ر ب” Ja 513 = Rossi 17 والذي فسره البعض بأنه وباء الكوليرا (نوع من الأمراض، هيضة؟ أو كوليرا؟ (3)، والتي أستخدم لعلاجه منقوع أزهار العشر «عشار» التي تبنت في بلاد اليمن وغيرها من الأوبئة التي تتناولها الدراسة بالتحليل.”
كما أستطرد جلال الحديث عن الأوبئة في النقوش الثمودية المنشورة إلى الآن في شبه الجزيرة العربية فقد كشفت اللثام علي أن القبائل الثمودية كانت الأكثر تطرقًا للأمراض والأوبئة، فقد بينت نقوشهم أنواعًا من الأمراض التي اختبرها هؤلاء، منها الجسدي والنفسي. ولم يكتف الثمودي برصد الأمراض وتوثيقها، بل سعى إلى علاجها والتخلص منها مهما كانت خطورتها، مثل:
مرض الهزال الشديد، الذي اعتبره العالم الكبير سليمان الذييب إما السرطان أو الإيدز المعروفين حاليًّا، أو مرض البرص أو أمراض الأسنان أو الجدريّ وفيما يظهر أن الثمودي تمكّن من علاج بعضها ولم يكتفِ إنسان هذه المنطقة بالتعامل مع أمراض الإنسان، بل تعامل مع أمراض الحيوان، فقد أشارت الكتابات العربية القديمة المعروفة بالثمودية إلى الأوبئة والأمراض التي عانت منها الحيوانات وتحديداً المواشي والجمال وهما النوعين اللذين تعايشا بشكل واضح مع الإنسان العربي آنذاك
أما بالنسبة للنقوش الآرامية، فقد وردت لفظة مرض في النقوش الآرامية القديمة بصيغة م ر ق، مرتين، الذي تطور لاحقًا فاستبدلت القاف بحرف العين، وأصبح هكذا: م ر ع أي «مرض» ولم تبين النقوش الآرامية القديمة نوع المرض الذي أشاروا إليه في نقوشهم، فجاء بشكل عام
ويتطرق د. جلال أيضاً لوباء الملاريا، وتتساءل هل كان لهذا الوباء وجود في شبه الجزيرة العربية قديماً وهل ما تشير إليه النقوش من أعراض مرضية كالحُمّى، القُشَعْريرة، الصداع، الغثيان والقيء، الألم العضلي والتعب هي من أعراض هذا الوباء.
خاصة، وأن العالم الألماني كارستن نيبور الذي شارك البعثة الدنماركية التي أمر بها الملك فردريك الخامس ملك الدنمارك سنة 1760م، وكان هدف الرحلة كتابة تقرير علمي واجتماعي شامل عن الجزيرة العربية وسوريا ومصر. قد أصيب بمرض خطير ولكنه تحامل على نفسه وشُفي كما يقول بإتباع العادات الغذائية السائدة كما أن اثنان من رفقاء البعثة قد أصيبوا بوباء الملاريا والذي لم يكن مرضا يعالجُ في تلك الأيام وماتوا على إثر ذلك، مع العلم أن نيبور هو الشخص الوحيد الذي عاد سالماً من أفراد البعثة في نهاية المطاف ونشر كتابه “وصف الجزيرة العربية” . وقد ظهر هذا الوباء في النقوش المسندية وكانت طريقة علاجة ثمار شجرة الغريب.
وعن وباء البلهارسيا، ومدى انتشاره في شبه الجزيرة العربية قديماً، فيعتقد عبد الإله عبد العزيز وآخرون في مؤلفهم البلهارسيا في المملكة العربية السعودية أن هذا الوباء كان معروفاً في شبه الجزيرة العربية منذ حوالي 4000 عام، فعلى حد قولهم أن العرب قد ربطوا بين البلوغ والبيلة الدموية عند الذكور مما قد يكون أحد مظاهر الإصابة بالبلهارسيا البولية، وعلي حد قولهم أيضاً أنه قد أكتشفت مؤخراً مخطوطة يرجع تاريخها إلى حوالي 900 عام خلت عام 1094م.
وصف مؤلفها أبو عبيد عبد الله بن عبد العزيز البكري الأندلسي غدير ماء عذب في وادي العقيق من يشرب منه يبول دماً، وقد تكون هذه دلالة علي الإصابة بالبلهارسيا البولية، إذ سجل مؤخراً وجود القواقع الوسيطة للبلهارسيا البولية في المملكة العربية السعودية في وادي العقيق (شمال مكة) وهو إمتداد لنفس الوادي في المدينة المنورة، وقد إنتشر هذا الوباء في ربوع الشرق الآدنى القديم خاصة مصر القديمة حيث سجل العلماء وجود بيض طفيليات البلهارسيا في أنسجة بعض مومياوات قدماء المصريين، وقد ظهر بالفعل مصطلح دال عليها في البرديات الطبية أسمه “عاع”، وقد ذكر الـ “عاع” فى 4 برديات، منها بردية إيبرس الطبية الشهيرة.
وعن نتائج الدراسة التي توصل إليها د. جلال حول أسباب إنتشار تلك الأوبئة فلخصها في الأسباب التالية: الزلازل، البرك والمستنقعات والأبار، واللواط الذي إنتشر بشكل كبير خاصة لدي القبائل الثمودية، الحروب والصراعات، المجاعات، وتعايش الإنسان العربي مع بعض الحيوانات التي نقلت له المرض.
أما عن كيفية تعامل تلك الشعوب والقبائل مع تلك الأوبئة، وتعاظم الدور الديني في مواجهتها والقضاء عليها، فلم يترك العربي القديم وسيلة من بيئته إلا واستخدمها في محاربة الأمراض ومكافحتها. فمن الطرق والوسائل التي أشارت إليها النقوش لمعالجة تلك الأوبئة والحد من إنتشارها:
العزل؛ فقد أشارت العديد من النقوش كنقش أبرهة (النقش (CIH 541 والنقش الآرامي من تيماء، إلى طريقة العزل اعتزال (بسبب المرض) عشيرته (أهله)، فيما يشبه حالياً الحجر الصحي المتبع حالياً لمواجهة هذا الفيروس خاصة وأنه لا يوجد علاج له حتى الآن، وقد ورد بالفعل كلمة حَجُر في المعجم السبئي للإشارة إلي الحجر أو الحماية (حماية بطلسم تعويذة) ربما إشارة إلي الحجر الصحي إلا أن البعض يستبعد ذلك.
العلاج الحيواني؛ أشارت العديد من النقوش إلى أن الإنسان العربي القديم كان يكافح العديد من الأوبئة باستخدام بول الجمل الذي كان يعالج الكثير من الأمراض مثل الأمراض الجلدية وغيرها حيث ثبت علمياً في الوقت الحاضر أن بول الجمل يعالج بعض من الأمراض، كما استطاع الإنسان الثمودي كما أثبتت النقوش أيضاً من معالجة الحيوانات الأليفة التي تعايش معها، كما حرص علي اصطياد حيوان القنفذ لما له من قدرة علي القضاء على الثعابين والعقارب التي ترتع في المزارع، ولما له من قدرة أيضاً علي معالجة بعض الأمراض مثل آلام الظهر والربو، وزيادة القدرة الجنسية.
العلاج النباتي؛ أوضحت النقوش أيضاً أهمية الأعشاب والنباتات الطبيعة في علاج الأمراض وفعاليتها كوقاية فيما يعرف حديثاً بالطب البديل أو الطب الطبيعي، فاستخدم اليمنيون القدماء البخور واللبان مصدر تجارتهم الشهيرة فاللبان الحضرمي والبخور وغيرهم من النباتات كانوا يستخدمون كمادة طبيعية علاجية في أغراض متعددة كالتطبيب والتحنيط والتبخير وغيرها.
ويختتم د. جلال رؤيته حول الدور الديني الهام في معالجة تلك الأوبئة، فقد ارتبطت جميع النقوش بالصلة الروحانية للمعبودات وقدراتها علي الشفاء فتركزت الصيغ النقشية في تقديم الشكر للمعبودات وتقديم النذور والهبات لهم، ففي نظرهم أن المرض عقوبة من المعبود وهو الوحيد القادر على الشفاء، لذا تمحورت جميع الصيغ النقشية في هذا الاتجاه، مما يدل على قوة تأثير العقائد الدينية في تلك المجتمعات.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق