سلايدرمقالات

الدكتور السيد ابوشنب ” رئيس قسم الأدب والنقد بكلية اللغة العربية جامعة الأزهر ” يكتب” المتنبي وعيد مختلف جداً مع كورونا

المتنبي..وعيدٌ مختلفٌ جدًّا

   في القرن الرابع الهجري ، وبالتحديد في عام 1350هـ أتحف المتنبي الشاعر العباسي الذي شغل الدنيا متلقيه بإحدى روائعه، ذائعة الصيت خالدة الذكر، ولا أرى قصيدة حازت ما حازته تلك القصيدة من شعر المتنبي، بل من الشعر العربي من الشهرة والذيوعوالخلود، وربما كان لمطلع القصيدة الآسر أكبر الأثر في هذا، فهو يعبر عن نفس المتنبي الحزينة الملتاعة بعد أن فقد الأمل في تحقيق أمانيه في أن يتولى أحد المناصب بعد أن وعده كافور الإخشيدي والي مصر، وأخلف وعده. شعر المتنبي المتطلع الطموح بالغبن فأنشأ قصيدة في هجائه بعد أن أفلت من قبضته، وودع مصر ووافق ذلك أحد الأعياد، وأشبع المتنبي كافورا هجاء بعد أن قلده فرائد مديحه وهو في كنفه. ومن أقذع ما قال فيه: “لا تشتري العبد إلا والعصا معه…إن العبيد لأنجاس مناكيد” أما مطلع القصيدة الذهبي فهو” عيدٌ بأية حال عدت يا عيدُ…بما مضى أم لأمر فيه تجديد” والبيت كما ترى خال من التصوير الذي هو أساس نجاح الشعر، بل الأدب عامة، فالبيت مبني على استفهام رائع يحمل أسى الشاعر وشكواه من مجيء العيد وحاله لم تتغير ، وآلامه لم تزل، وآماله لم يتحقق منها شيء، ولكن هل درى المتنبي وهو يخرج تلك الدفقة الشعورية أن بيته هذا سيتمثل به الناس على مر الأيام، فما من أحد عاندته الحياة، وفقد السعادة المرجوة، وجاء عليه العيد إلا وتراه يلهج لسانه بهذا البيت الرائع. وإن تعجب فعجب أن التمثل بهذا البيت لم يكن قاصرا على النخبة من المثقفين. بل امتد ليشمل كل الناس، حتى العوام منهم، ولو تأملت مواقع التواصل الاحتماعي لوجدت هذا البيت ينتشر انتشارا واسعا في المنشورات. وكان هذا التمثل بالطبع قاصرا على من كان يشبه المتنبي في حزنه وأساه، أو على الأقل على من كان يشعر بالحزن أيا كان أسبابه. فالدنيا لم تخل من سعداء، لكننا في هذا العيد نجد أنفسنا  جميعا ننشد هذا البيت في كورال جماعي، فالقلق والتوتر والحزن يشتمل الجميع لا فرق بين غني وفقير، وقوي وضعيف، وذي منصب كبير وخفير، فقد جاءت جائحة كورونا لتوحد الناس في أرجاء المعمورة، وطالما زهت دول العالم الأول علينا بالحضارة والثقافة والغنى والثراء والرفاهية والتكنولوجيا، وطالما فخرو بتقدمهم العلمي والطبي. فحاءت كرونا لتقضي على كل هذه الأساطير، ونظرة في أعداد الموتى في أوربا وأمريكا تبين لنا أن كنا نحسدهم أحيانا، ونتمنى أن نحيا حياة مثل حياتهم أحيانا أخرى ، وكثيرا ما حلم بعضنا بالهجرة إلى هذه الدول والإقامة فيها. كان الموسرون من إذا مرضوا لا يرضون بالعلاج في مستشفياتنا، ولا حتى في الاستثماري منها، بل يتوجهون إلى مستشفيات أوربا وأمريكا، أما بعد كرونا فلم يعودوا يفكرون في ذلك مطلقا. جاءت كرونا بالنذر لمن اغتر بنفسه أو ماله ، ونسي أن للكون ربا قادرا مسيطرا، جاءت لترجعنا حميعا إلى ربنا سبحانه وتعالى، حاءت لتحعل كل واحد منا يفكر في حياته وهل هو محسن أم مسيء، نافع أم ضار, جاءت للغربلة، للتمحيص، للحوار الذاتي مع النفس. جاءت كرونا فجعلت الذين يتمثلون ببيت المتني من العرب كثرا، إذ صار هاجس الموت بكرونا يفكر فيه كل واحد منا، وأزعم أن غير العرب سيفكرون في معنى البيت. ذلك هو الخلود الفني لبيت من الأبيات، أوقصيدة من القصائد، أو ديوان من الدواوين، الخلود الذي لا يحوزه أي فن ، بل الفن الرائع، النابع من عاطفة وجدانية صادقة. لذلك حق للمتنبي الذي ملأ  الدنيا وشغل الناس أن يفخر بشعره العبقري الخالد          

الدكتور السيد ابوشنب رئيس قسم الأدب والنقد بكلية اللغة العربية جامعة الأزهر والعميد السابق بكلية الدراسات الإسلامية والعربيه ببورسعيد

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق