الجرائم الإلكترونية… حين يصبح الاقتصاد رهينة شاشة

د.فتحي حسين
لم تعد الجرائم ترتكب في الأزقة المعتمة، ولا تحتاج إلى كسر أبواب أو تهديد بالسلاح. الجريمة الحديثة أكثر هدوءا، وأكثر دهاء، وتدخل البيوت والمؤسسات عبر رسالة إلكترونية أو رابط مُغري. إنها الجرائم الإلكترونية، ذلك الخطر الصامت الذي بات يهدد الاقتصاد الوطني كما يهدد أمن الأفراد.
العالم كله يدفع الثمن. تشير التقديرات إلى أن خسائر الجرائم الإلكترونية مرشحة للوصول إلى نحو 10.5 تريليون دولار سنويًا بحلول عام 2025، رقم يجعلها – لو كانت دولة – ثالث أكبر اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة والصين. هذا ليس تهويلا إعلاميا، بل واقع رقمي يزداد قسوة عامًا بعد عام.
الأرقام وحدها كفيلة بإطلاق جرس الإنذار. العالم يخسر يوميًا ما يقارب 26 مليار دولار بسبب الهجمات الإلكترونية، أي نحو 1.1 مليار دولار في الساعة، بينما يتعرض الفضاء الرقمي لما يقرب من 4000 هجوم إلكتروني يوميا. وخلال العقد الأخير فقط، ارتفعت الخسائر بنحو 3 تريليونات دولار، مع توقعات بزيادة سنوية تُقدَّر بـ 15%، في سباق غير متكافئ بين المجرم الرقمي وأنظمة الحماية.
ولا تقف الخسائر عند حدود الأرقام المجردة. فأنواع الجرائم متعددة: برامج الفدية التي تشل المؤسسات، سرقة الملكية الفكرية التي تنهب العقول قبل الأموال، والاحتيال المالي الذي ابتلع وحده أكثر من 16 مليار دولار خلال العام الماضي. إنها جريمة بلا دماء، لكنها تنزف الاقتصاد ببطء.
وفي مصر، لم نكن بمنأى عن هذا الخطر العالمي. تزايدت الهجمات الإلكترونية بشكل ملحوظ، ما دفع المؤسسات والبنوك والشركات إلى إنفاق مبالغ ضخمة على تأمين أنظمتها الرقمية. ومع ذلك، تشير التقديرات إلى خسائر تُقدَّر بمليارات الدولارات نتيجة اختراق البيانات، وبرامج الفدية، وعمليات الاحتيال التي تستهدف الأفراد قبل المؤسسات.
الخطر هنا لا يهدد خزائن المال فقط، بل يضرب الثقة في صميمها. ثقة المواطن في المعاملات الإلكترونية، وثقته في البنوك، وفي التحول الرقمي الذي يُطلب منه أن يسلم له تفاصيل حياته. فكيف نطالب المواطن بأن يكون جزءا من الاقتصاد الرقمي، ونحن لا نمنحه المعرفة الكافية لحماية نفسه؟
الاقتصاد الوطني يتأثر مباشرة. حين تُسرق مدخرات الأفراد، يتراجع الاستهلاك. وحين تُخترق الشركات، تتعطل الاستثمارات. وحين تهتز الثقة، يصبح النمو هشًا، مهما بلغت طموحاته.
الوعي لم يعد خيارا، بل ضرورة وطنية. معركة الجرائم الإلكترونية لا تُحسم فقط بالتقنيات والقوانين، بل بمواطن واعٍ يعرف أن بياناته ثروة، وأن الإهمال الرقمي باب مفتوح للجريمة. نحتاج إلى إعلام يشرح، وتعليم يُحصّن، وخطاب عام يتعامل مع الأمن السيبراني باعتباره جزءًا من الأمن القومي.
فالجرائم الإلكترونية قدر هذا العصر، نعم، لكن الاستسلام لها ليس قدرًا. بين ضغطة زر وغياب وعي، يولد الخطر… وبين معرفة بسيطة ويقظة دائمة، يمكن إنقاذ اقتصاد، وحماية مجتمع، وصون مستقبل وطن !



