انبطاح العرب وضياعهم

د أيمن السيسي
علينا أن ندرك أولاً أنَّ أمريكا تنهارُ فعليًّا الآنَ، وقد توقعتُ ذلك منذ ثلاث سنواتٍ – الوهمُ الأمريكيُّ بحٌّ، انتهى، ولا عزاءَ للتوابعِ والجواسيسِ والمسبحينَ بحمدِ واشنطنَ والمؤمنينَ بأنَّ المجدَ في خصيتيها، وخصيتي إسرائيلَ، هذا وهمٌ عاشوا فيهِ بتأثيرِ الدولاراتِ وتحتَ ضغطِ دعمهم في دواخلِ بلادهم لتبوُّء مراكز والاستحواذِ على مناصبَ بتوجيهٍ منَ التوابعِ والجواسيسِ داخلَ منظوماتِ الحكمِ في هذي البلادِ، أمريكا تتصدَّعُ الآنَ، وباتَ الانهيارُ قريباً، وقريباً جداً، بعدَ طولِ طغيانٍ “وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ (24) ” صدقَ اللهُ العظيمُ.. يونس: 24، وإسرائيلُ لن تكملَ –إن شاءَ اللهُ– عقدَها الثامنَ، وهو حالُ ممالكِها القديمةِ وممالكِ الصليبيينَ في الساحلِ السوريِّ طوالَ التاريخِ.
أما ما يروِّجُهُ الجواسيسُ والتوابعُ والعملاءُ من أمثالِ العكشِ والجلادِ وليلى عبدِ اللطيفِ وغيرِهم من مخططاتٍ دأبوا على تبشيرِنا بها سواء مخرجات مؤتمرِ لندنَ أو وهمُ “المليارِ الذهبيِّ” وما سُجِّلَ على “أحجارِ جورجيا” وتوسعِ إسرائيلَ، لم تكن ولن تكونَ قابلةً للتحقيقِ،
لماذا؟
لأنَّ صحوةَ مصرَ التي اصطفى لها اللهُ الرئيسَ السيسيَّ، وما بُثَّ فيها من روحِ التحدِّي وبناءِ الدولةِ على كافةِ المستوياتِ وأخصّها الاستراتيجيُّ والأمنيُّ والعسكريُّ، وقوةُ جيشِهِ وثباتُ البنيانِ النفسيِّ الوطنيِّ الانتمائيِّ للشعبِ، وقدرةُ المخابراتِ العامةِ (عقلُ مصرَ)، وتصديهم لكلِّ هذهِ المخططاتِ أفسدَها، ونثرَها مع ريحِ الوهمِ الذي لحقَ بأحجارِ جورجيا، وظهرت في تحركاتِهِ المكوكيةِ منذُ العدوانِ على غزةَ وحتى العدوانِ على إيرانَ عندما كانت تُصفَّى السماءُ وتصمتُ الصواريخُ أثناءَ تحليقِ طائرتِهِ في زياراتِ لدولِ الخليجِ.
وما أبلت إيرانُ في صدِّ العدوانِ وإذاقةِ اليهودِ والأمريكيينَ رشفاتِ الذلِّ بردودِها الصاروخيَّةِ، ولا زلتُ أؤكدُ أنني شخصيًّا أدعمُ إيرانَ ضدَّ إسرائيلَ وأمريكا والإماراتِ، وأدعو ألا تصدقوا بغلَ واشنطنَ الكاذبَ، المهووسَ بانبطاحِ العربِ واستنزافِهم، فهو تماماً مثلُ رشدي (الذي أدى شخصيتَهُ الفنانُ أحمدُ توفيق في فيلمِ شيءٍ من الخوفِ) خصوصاً عندما قالَ: أنا سبعين عتريس فـ بعض أنتَ ما بتخافشِ مني ليه؟ أنا بلوة مِسِيَّحة.. فلا تخافوهُ وخافوا اللهَ.
فقد كشفتِ الحربُ الحاليةُ هشاشةَ أمريكا وضعفَها، كما كشفت أزمةَ العربِ الوجوديةَ.. نعم إنها أزمةُ وجودِ العربِ وبقائِهم وضياعِهم، كما كانَ الحالُ قبلَ الإسلامِ عندما كانت هناك قوتانِ تتنازعُهما، الفرسُ ولها عميلٌ على الأرضِ هو إمارةُ الحيرةِ، والرومُ وعميلُها على الأرضِ الغساسنةُ، لم ينقذْهم من الفرسِ إلا معركةُ ذي قارٍ (محافظةُ الناصريةِ الحاليةُ في العراقِ)، عندما توحدتِ القبائلُ ضدَّ فارسَ فهزمتْها..
أما الآنَ، وقد باتَ الهوانُ عنيفاً والذلُّ صريحاً بينَ قوتينِ، أمريكا وإسرائيلُ، وضدَّهما إيرانُ وأذرعُها الشيعيَّةُ، ومن خلفِها الصينُ وروسيا، وأياً ما كانت نتائجُ المعركةِ، إلا أنَّ المؤكَّدَ تصدعُ أمريكا وانهيارُ سيادتِها في العالمِ وتفككُها، لكنَّها ستظلُّ قوةً، أما إيرانُ وإن كانت ستخرجُ من المعركةِ واهنةً ضعيفةَ القدراتِ، وربما يتغيرُ النظامُ فيها، لكنَّها ستستفيدُ من “النصرِ” السياسيِّ بأن تعاودَ الهيمنةَ على الخليجِ، لأنَّ ضعفَ العربِ سيكونُ أشدَّ وأقوى، فلم تفلح عائداتُ النفطِ في جعلِهم أقوياءَ بسببِ اتباعِهم لنمطٍ سياسيٍّ واجتماعيٍّ واهنٍ وهشٍّ، جعلَهم لا يستفيدونَ منها إلا في مظاهرَ خداعةٍ وسلبيَّةٍ، وهو ما سيعيدُ للفرسِ نظرتَهم القديمةَ للعربِ المتمثلةَ في ازدراءِ رستمَ قائدِ جيشِ الفرسِ (في القادسيةِ) للمغيرةِ بنِ شعبةَ مبعوثِ سعدِ بنِ أبي وقاصٍ: عودوا إلى ديارِكم، فقد أمرتُ لكم بكسوةٍ، ولأميرِكم بألفِ دينارٍ وكسوةٍ ومركوبٍ وتنصرفونَ عنا، لكنَّهم لم ينصرفوا وقاتلوا (في القادسيةِ) رغمَ أنهم كانوا لا يزيدونَ عن سبعةِ آلافٍ والفرسُ ثلاثينَ ألفاً، ولكنَّهم كما قالَ لهم عمرُ بنُ الخطابِ عندما أرسلَ لهُ سعدٌ: “لا يكربنَّكَ ما يأتيكَ عنهم، واستعن باللهِ وتوكَّل عليهِ” فتوكلوا على اللهِ مؤمنينَ بقدراتِهم، فهزموا الفرسَ مرةً ثانيةً، لكنَّها كانت الهزيمةَ القاسيةَ التي أخمدت نيرانَ معابدِهم إلا قليلاً منها لا يزالُ الزرادشتيونَ إلى الآنَ يمارسونَ طقوسَهم الدينيَّةَ فيها، ومنها مثلُ معبدِ “يزد” وغيرِهِ، فـ”الجمهوريَّةُ الإسلاميَّةُ” تعترفُ بالزرادشتيَّةِ كدينٍ، ولا تزالُ النارُ تشتعلُ في معابدِها حيثُ تُحفظُ النارُ المقدَّسةُ متقدةً (الزرادشتيَّةُ ديانةٌ تؤمنُ بـ”أهورا مزدا” (رب الحكمةِ)، ولهم نبيٌّ هو “زرادشت” وكتابٌ مقدسٌ يسمى “الأفيستا”. ويتمتعُ الزرادشتيونَ في “الجمهوريَّةِ الإسلاميَّةِ” بحقوقِهم كأقليةٍ دينيَّةٍ مُعترَفٍ بها ويمارسُ أتباعُها عبادةَ النارِ في معابدِهم!!!). والآنَ لا نقولُ إننا نريدُ هزيمةَ الفرسِ، ولا أن نستبدلَ إسرائيلَ بالفرسِ، ولكنَّنا أيضاً لا ندعو أن يُستبدلَ العربُ بأمريكا الصينِ، فإن حدثَ فسيظلُّ العربُ تحتَ سيطرةِ قوةٍ كبرى تستحلُّ دماءَهم وتستنزفُ خيراتِهم، فلا يستفيدونَ منها إلا بِمأكلٍ وملبسٍ ومشربٍ ونساءٍ.. العربُ خيرُ أمةٍ أخرجت للناسِ ولكن شرطَ الخيريةِ “تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ” صدقَ اللهُ العظيمُ آل عمران: 110، وعندما آمنوا سادوا العالمَ، ولديهم الآنَ ما يجعلُهم كذلكَ؛ فقط الوحدةُ في القرارِ كما هي الوحدةُ في الدينِ واللغةِ والتاريخِ والخصائصِ الثقافيَّةِ والاجتماعيَّةِ.



