لماذا يُعدّ الفكر القومي العربي ضرورة تاريخية وإنسانية؟

د. رائد حسنين
بعيدًا عن التنظير المجرّد لأهمية الفكر القومي العربي، تفرض الوقائع نفسها بوصفها حججًا دامغة على صواب هذا الخيار وضرورته. فالوطن العربي، الممتد من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي، ومن البحر الأبيض المتوسط إلى بحر العرب، ليس مجرد رقعة جغرافية متجاورة، بل كتلة استراتيجية فريدة في التاريخ والجغرافيا والسياسة معًا.
إنه فضاء يختزن طاقات هائلة من الموارد البشرية والمادية والاقتصادية، ويشكّل ـ وفق منطق الجغرافيا السياسية كما نظّر له ماكندر ـ قلب العالم النابض، ذلك القلب الذي لا يمكن للتواصل العالمي أن يستقيم إلا عبره، ولا لحركة التجارة الدولية أن تتدفق دون المرور بمضائقه وممراته البحرية الحيوية. من هنا، لم يكن استهداف هذه المنطقة محض صدفة، بل خيارًا استعماريًا مدروسًا.
لقد أدركت القوى الاستعمارية مبكرًا أن قيام دولة عربية واحدة، بجيش موحّد وإرادة سياسية جامعة، كفيل بإسقاط هيمنتها وتقويض نفوذها. فكان الحل بالنسبة لها هو التفتيت: تقسيم الوطن الكبير إلى دويلات هشة، وتشظيته إلى كيانات متناحرة، يسهل التحكم بها وإدامة تبعيتها. ولضمان نجاح هذا المشروع، جرى تصنيع عدو خارجي مزروع في خاصرة الأمة، عبر خلق الحركة الصهيونية وغرسها في أخطر نقطة جغرافية من الوطن العربي، للفصل بين مشرقه ومغربه، تحت ذرائع أسطورية زائفة وروايات مختلقة. وهي صهيونية بدأت مسيحية في جوهرها، ثم أُلبست لاحقًا ثوبًا يهوديًا لتبرير مشروع استيطاني إحلالي عدواني.
ولأن الاستعمار كان يدرك أن الخطر الحقيقي يكمن في يقظة الأمة ووحدتها، لم يكتفِ بصناعة العدو الخارجي، بل لجأ إلى اختراع عدو داخلي، أكثر فتكًا وخطورة، فكانت حركات الإسلام السياسي، وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين، التي نشأت وترعرعت في كنف الرعاية الاستعمارية، وتم توظيفها أداةً لضرب الوعي العربي من الداخل. وكما يُقال: خمسون عدوًا خارج البيت أهون من عدو واحد داخله.
ومع مرور الزمن، جرى تفريخ هذه الحركة إلى عشرات الجماعات والتنظيمات، جميعها تتغذى من المنبع ذاته، وتتماهى ـ عن وعي أو دون وعي ـ مع المشروع الاستعماري. كان هدفها تفكيك المجتمع العربي، وتكفيره، وإعادة إنتاج هويات طائفية ومذهبية ضيقة، تمزّق النسيج الاجتماعي، وتوزّع صكوك الغفران والحرمان وفق منطق ظلامي، يُقصي الإنسان، ويُصادر العقل، ويغتال فكرة الوطن.
وما كان لكل ذلك أن ينجح لولا الغياب المؤلم لحوامل حقيقية للفكر القومي العربي، ولولا الفراغ السياسي والفكري الذي تركته النخب، والسياسة ـ كما هو معلوم ـ لا تعترف بالفراغ. فرافقت ذلك حملات ممنهجة من التجهيل وكيّ الوعي، استهدفت المواطن العربي في وعيه وهويته الجمعية، وأضعفت أدوات المواجهة، وأفقدت المجتمعات مناعتها الفكرية.
غير أن اللحظة الراهنة، رغم قسوتها، تحمل بذور أمل. فقد بدأت الحقائق تنكشف، وسقطت الأقنعة عن المشروع الصهيوني، كما تهاوت الأوهام التي أحاطت بحركات الإسلام السياسي. واليوم، تبدو الظروف أكثر مواتاة من أي وقت مضى لاستعادة الوعي القومي العربي، بوصفه مشروع تحرر إنساني، وخيار وحدة وكرامة، ومسارًا تاريخيًا لا غنى عنه لإنقاذ الأمة من التشظي، وإعادة الاعتبار للإنسان العربي، ولحقه في الحرية والعدالة والمستقبل.



