مقالات

نائبه التبرع بالجلد والاعضاء وثقافة المجتمع

 

د.فتحي حسين

ليست مهمة النائب البرلماني أن يردد ما يريح الآذان، ولا أن يسبح مع التيار خوفا من صخب الجهل أو ضيق الأفق. مهمة النائب، بل جوهر وظيفته، أن يطرح قضايا المجتمع الحقيقية، حتى لو بدت صادمة، جديدة، أو غير مألوفة لمن اعتادوا التفكير داخل صندوق مغلق بإحكام.
ما تعرضت له النائبة أميرة صابر، عضو مجلس الشيوخ، على خلفية اقتراحها برغبة موجه إلى وزير الصحة لإنشاء بنك للأنسجة البشرية، ليس خلافًا فكريًا ولا نقاشًا موضوعيًا، بل هجوم فجّ يكشف عن محاولة واضحة للهروب من نقاش جاد، علمي، وإنساني، حول ملف مسكوت عنه منذ سنوات.
العبارة التي رددها البعض: «نعيش فقرانين ونموت وندفن مسلوخين» ليست فقط سطحية، بل جارحة، ومهينة لآلاف المرضى الذين يعيشون يوميًا على حافة الألم، ينتظرون رقعة جلد تنقذ حياة أو تمنح أملًا في الشفاء. وكأن الحديث عن علاج الحروق وزراعة الجلد ترف، أو مؤامرة، أو اعتداء على كرامة الموتى، بينما هو في الحقيقة مسألة حياة أو موت.
ملف علاج الحروق في مصر كارثي بكل المقاييس. ومن يعرف واقع وحدات الحروق في المستشفيات الحكومية يدرك أن نقص الجلد البشري المتاح للترقيع يمثل أزمة طبية حقيقية، لا شعارًا إعلاميًا. مرضى يُتركون لأسابيع، وأحيانًا لأيام مصيرية، لأن الجلد غير متوفر، لأننا نخشى الفكرة بدل أن ندرسها، ونخاف النقاش بدل أن نخوضه.
بدلًا من الصراخ، كان الأجدر أن نفتح العقول. أن نبحث في تجارب الدول التي سبقتنا، لا لنقلدها عميانيًا، بل لنتعلم كيف حوّلت فكرة إنسانية إلى منظومة تحمي الإنسان حيًا، وتحترمه ميتًا. فبنوك الأنسجة ليست بدعة، ولا اعتداءً على القيم، بل إنجازًا طبيًا أنقذ ملايين البشر حول العالم.
النائبة أميرة صابر أعلنت تبرعها بأعضائها وجلدها بعد الوفاة، وهو موقف شخصي شجاع قبل أن يكون سياسيًا. ومع ذلك، ورغم صدور قانون تنظيم التبرع بالأعضاء منذ عام 2010، لم تُسجل حالة تبرع واحدة حتى الآن. وهذا لا يدل على رفض أخلاقي بقدر ما يعكس ثقافة متجذرة حول حرمة جسد الميت، ثقافة تحتاج إلى حوار، وتوعية، واحترام، لا إلى تهكم وسخرية.
القانون واضح: من يرغب في التبرع يتوجه إلى الشهر العقاري لتوثيق رغبته. هذا الإجراء معمول به في دول العالم المتقدم، ولم يؤدِّ إلى «سلخ الموتى»، ولا إلى انتهاك الكرامة الإنسانية، بل إلى إنقاذ أرواح.
القضية ليست في التبرع من عدمه، بل في حق المجتمع في نقاش ناضج، وحق المرضى في أن يُنظر إليهم كأولوية، لا كحاشية في معركة شعبوية رخيصة. الهجوم على الفكرة لا يلغي الحاجة إليها، والصراخ لا يعالج الحروق.
المؤلم حقًا ليس اقتراح بنك للأنسجة، بل أن نحرق أي محاولة للتفكير خارج المألوف، ثم نتساءل ببرود: لماذا نموت؟ ولماذا لا نتقدم؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى