غزة في مرآة النماذج الهجينة قراءة استراتيجية في تشكّل الكيانات والسيادة المنقوصة

د. رائد حسنين
في لحظات التحوّل الكبرى، لا تُقاس الجغرافيا بمساحتها، بل بوزنها في معادلات القوة. وغزة على ضيق رقعتها تحوّلت إلى عقدة سيادية مفتوحة في قلب نظام دولي يعيد، منذ نهاية الحرب الباردة، إنتاج الكيانات السياسية بصيغ غير تقليدية: سيادة مرنة، حكم ذاتي موسّع، حماية أمنية خارجية، وكيانات وظيفية تتجاوز التعريف الكلاسيكي للدولة.
غير أن السؤال الجوهري يبقى: هل يمكن إدراج غزة ضمن هذه النماذج الهجينة، أم أنها حالة تتجاوزها جميعًا؟
– غزة وكوسوفو: انفصال تحت مظلة دولية
تشترك غزة مع كوسوفو في مشهد ما بعد الحرب: دمار واسع، حديث عن تدخل دولي، وإعادة بناء مؤسسات تحت إشراف خارجي. في كوسوفو، أدارت الأمم المتحدة الإقليم عبر بعثة (UNMIK)، فيما وفّر حلف الناتو مظلة أمنية مهّدت لإعلان الاستقلال.
لكن الفارق عميق. فقد خرجت كوسوفو من دولة واحدة في سياق تفككها، ونالت اعترافًا غربيًا واسعًا. ولم تكن جزءًا من قضية قومية ممتدة عابرة للحدود، ولا عقدة مركزية في صراع إقليمي مفتوح.
أما غزة، فهي جزء من شعب له تمثيل وطني معترف به دوليًا، وليست كيانًا منفصل الهوية عن الضفة الغربية. كما أنها محاطة بفاعل إقليمي قوي (إسرائيل) كقوة احتلال لا تقبل استقلالًا أحاديًا خارج ترتيبات أمنية صارمة.
غزة، إذن، ليست حالة انفصال، بل ساحة نزاع تحرري لم يُحسم بعد.
– غزة وتيمور الشرقية: تقرير المصير وحدود الإجماع
قدّمت تيمور الشرقية نموذجًا واضحًا لتقرير المصير: استفتاء بإشراف أممي، إدارة انتقالية كاملة، ثم استقلال معترف به دوليًا. وقد تحقق ذلك في لحظة توافق دولي واسع على شرعية المسار.
في حالة قطاع غزة، يغيب هذا الإجماع. فالصراع متداخل إقليميًا ودوليًا، وإسرائيل طرف مباشر في الأمن والحدود، كما أن الانقسام الفلسطيني يُعقّد أي انتقال سيادي منظم.
إن اللحظة الدولية التي استفادت منها تيمور لا تبدو متاحة لغزة في السياق الراهن.
– غزة وهونغ كونغ: السيادة المنقوصة وحدود التعايش
كانت هونغ كونغ ثمرة اتفاق بين دولتين كاملتي السيادة( بريطانيا، الصين) ونموذجها اقتصادي– قانوني في الأساس، لا أمني–عسكري.
أما غزة، فجوهر قضيتها سيادي أمني وجودي. لا يوجد اتفاق متوازن بين طرفين متكافئين، ولا بيئة مستقرة تسمح بتعايش مؤسسي طويل الأمد. إنها منطقة نزاع مفتوح، لا منطقة قانونية خاصة.
– غزة وكردستان العراق: الحكم الذاتي وحدود الجغرافيا
يُستدعى نموذج كردستان العراق بوصفه مثالًا لكيان يتمتع بحكم ذاتي فعلي داخل دولة معترف بها، بغطاء دستوري منذ عام 2005، وعمق جغرافي وموارد طبيعية تتيح قدرًا من الاستدامة.
أما غزة، فهي مساحة ضيقة بلا عمق استراتيجي، ولا إطار دستوري فلسطيني موحّد ينظم العلاقة مع المركز، ولا موارد اقتصادية تكفل استقلالًا فعليًا.
ولهذا، تفتقر إلى مقومات كيان شبه مستقل قابل للحياة على المدى الطويل.
– غزة وشمال قبرص: الاعتراف الجزئي وحدود الشرعية
يمثل شمال قبرص نموذجًا آخر للكيانات الهجينة: كيان أعلن نفسه دولة عام 1983، لكنه لا يحظى باعتراف دولي واسع، ويعتمد أمنيًا واقتصاديًا على دولة راعية (تركيا). إنه كيان قائم بحكم الأمر الواقع، محدود الشرعية الدولية، يعيش في توازن هش بين الواقع والقانون.
ورغم بعض أوجه الشبه الشكلية — كالعزلة السياسية والارتباط بأمن إقليمي — فإن غزة تختلف جوهريًا. فهي ليست مشروع انفصال مدعوم من دولة راعية تسعى إلى تكريس كيان بديل، بل جزء من مشروع وطني معترف به أمميًا يسعى إلى إنهاء الاحتلال لا تثبيت الانقسام.
إن تحويل غزة إلى حالة شبيهة بشمال قبرص يعني عمليًا تكريس الانفصال، وهو ما يتعارض مع جوهر القضية الفلسطينية.
خصوصية غزة: عقدة سيادية مفتوحة
ما يميز غزة عن كل هذه النماذج اجتماع عناصر نادر:
* كثافة سكانية من الأعلى عالميًا ضمن مساحة محدودة.
* ارتباط عضوي بالقضية الفلسطينية ككل، لا كإقليم منفصل.
* تداخل الأبعاد الدينية والسياسية والإقليمية في بنيتها الصراعية.
* استمرار النزاع دون حسم قانوني أو عسكري.
* وجود فصائل عسكرية تشكل جزءًا من معادلة الحكم.
– غزة ليست انفصالًا ناجحًا، ولا تجربة تقرير مصير محسومة، ولا منطقة خاصة مستقرة، ولا إقليمًا ذا حكم ذاتي دستوري. إنها بؤرة اختبار لمفهوم السيادة ذاته في نظام دولي متحوّل.
– النظام الدولي وإغراء “الكيان الوظيفي”
منذ نهاية الحرب الباردة، برز نمط متكرر: كيانات ذات سيادة منقوصة، أمن مرتبط بقوى خارجية، اقتصاد معتمد على الدعم الدولي، وتوازن دقيق بين المحلي والدولي — كما في كردستان، شمال قبرص، كوسوفو، وهونغ كونغ سابقًا.
في هذا السياق، قد يُطرح لغزة سيناريو “الكيان الوظيفي”:
حكم محلي منتخب، إشراف أمني دولي أو إقليمي، إعادة إعمار مقابل ترتيبات أمنية طويلة الأمد، وربط اقتصادي بممرات خارجية. كيان لا هو دولة كاملة، ولا إقليم تابع، بل مساحة مُدارة لضبط الاستقرار.
غير أن هذا النموذج يحمل مخاطر واضحة:
تحويل القضية الوطنية إلى ملف إداري، تكريس الانفصال عن الضفة الغربية، وإدامة سيادة منقوصة يصعب الخروج منها.
– البعد الأمريكي واختبار السيادة المرنة
تميل الولايات المتحدة إلى إدارة الأزمات لا حسمها جذريًا، وإلى إنتاج ترتيبات قابلة للاحتواء تمنع الانفجار الإقليمي، دون تحمّل عبء سيادي مباشر. لذا، إن كان لها دور، فسيكون في هندسة ترتيبات أمنية–اقتصادية، لا في ضم أو إدارة مباشرة.
ويبقى السؤال الأوسع: هل يجري اختبار نموذج (السيادة المرنة) في الشرق الأوسط؟
المنطقة تشهد دولًا منهكة، وسيادات متآكلة، وكيانات شبه مستقلة داخل حدود قائمة. قد لا يكون الاتجاه نحو تقسيم رسمي، بل نحو إنتاج كيانات ذات استقلال وظيفي محدود داخل الدول القائمة.
غزة تبدو مرشحة نظريًا لهذا المسار، غير أن نجاحه مشروط بقبول شعبي داخلي (وهو الشرط الأصعب).
– الرأي الحاسم: الدولة الفلسطينية بوصفها المخرج العادل
إذا كانت الإرادة الدولية جادة في البحث عن حل عادل ومستدام، فإن المدخل المنطقي ليس هندسة كيان هجين جديد، بل الشروع الفعلي في تنفيذ إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على أساس الشرعية الدولية.
قيام الدولة الفلسطينية هو الكفيل بحسم الاجتهادات حول إدارة غزة، لأنه يعيد القطاع إلى إطاره الطبيعي: جزء من كيان سيادي معترف به، لا مختبرًا لتجارب السيادة المنقوصة.
أما إبقاء غزة في دائرة النماذج الهجينة، فليس حلًا بقدر ما هو إدارة مؤقتة لأزمة دائمة.
– الخلاصة الاستراتيجية
الوصاية الدولية ممكنة نظريًا، لكنها شديدة التعقيد.
الكيان الهجين خيار قابل للطرح، لكنه محفوف بمخاطر التفتيت الدائم.
المسار الأعدل والأكثر استقرارًا يتمثل في تمكين الشعب الفلسطيني من دولته المستقلة، باعتبارها الإطار القانوني والسياسي القادر على إنهاء الجدل حول هوية غزة ومستقبلها.
غزة ليست نسخة من كوسوفو، ولا تيمور، ولا هونغ كونغ، ولا كردستان، ولا شمال قبرص.
إنها حالة فريدة تختبر حدود السيادة وإرادة الشعوب في زمن تتآكل فيه النماذج الكلاسيكية.
ومستقبلها لن يُبنى على استنساخ تجارب الآخرين، بل على حسم سؤال الدولة ذاته.



