الذكاء الاصطناعي في الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية

د.فتحي عامر
في الحقيقة، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تقنية محايدة، بل أصبح فاعلا رئيسيا في تشكيل موازين القوة داخل الصراعات الدولية، خاصة في سياق التوترات بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى.
نحن أمام تحول نوعي في طبيعة الحروب، حيث لم تعد المعركة فقط على الأرض أو في السماء، بل أصبحت تدار أيضا عبر الخوارزميات والبيانات. الذكاء الاصطناعي يستخدم اليوم في تحليل الصور الاستخباراتية، وتحديد الأهداف بدقة عالية، وتوجيه الطائرات بدون طيار، بل وحتى في التنبؤ بتحركات الخصم قبل حدوثها.
اللافت هنا أن هذا النوع من الحروب يخلق فجوة هائلة في توازن القوى، لأن الطرف الذي يمتلك تفوقا تكنولوجيا في الذكاء الاصطناعي يستطيع تقليل خسائره البشرية، وزيادة دقة عملياته، واتخاذ قرارات أسرع من خصمه. وهو ما نراه بوضوح في الدعم التكنولوجي المتقدم الذي تقدمه الولايات المتحدة لإسرائيل علي وجه التحديد!
لكن في المقابل، إيران أيضا تحاول تطوير قدراتها في هذا المجال، سواء عبر الاستثمار في التكنولوجيا المحلية أو من خلال شراكات دولية، ما يعني أننا أمام سباق تسلح جديد، ليس بالصواريخ فقط، بل بالعقول الرقمية التكنولوجية !
الأخطر من ذلك، أن الذكاء الاصطناعي قد يساهم في تسريع وتيرة اتخاذ القرار العسكري، وهو ما قد يؤدي إلى تصعيد غير محسوب، لأن القرارات قد تبنى على تحليل آلي دون تقدير كاف للأبعاد الإنسانية والسياسية.
وعند الحديث عن ميزان القوى في الذكاء الاصطناعي بين الأطراف المتصارعة ، نجد فجوة واضحة بين الطرفين. الولايات المتحدة، بقيادة شركات كبرى مثل Google وMicrosoft، تمتلك بنية تحتية هائلة في الحوسبة السحابية، وتحليل البيانات الضخمة، وتطوير النماذج الذكية، وهو ما ينعكس مباشرة على قدراتها العسكرية الاستخباراتية.أما إسرائيل، فتعتمد على منظومة تكنولوجية متقدمة مدعومة بمؤسسات عسكرية مثل وحدة 8200، التي تعد من أبرز الجهات في مجال الحرب السيبرانية وتحليل البيانات، ما يمنحها تفوقا نوعيا في توظيف الذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية.
في المقابل، تمتلك إيران ،المحاصرة اقتصادية منذ سنوات طويلة ،قدرات متنامية لكنها لا تزال محدودة نسبيا، وتعتمد بشكل أكبر على التطوير المحلي للطائرات المسيرة وبعض الشراكات مع دول مثل الصين وروسيا، مع تركيز على الطائرات بدون طيار والحرب السيبرانية، لكن دون نفس العمق التكنولوجي أو البنية التحتية المتقدمة المتاحة للولايات المتحدة وإسرائيل.
والأقرب للواقع أنه لن ينتهي بحرب شاملة تقليدية، بل سيظل في إطار “الصراع منخفض الحدة” أو ما يعرف بحروب الظل؛ ضربات محدودة، عمليات سيبرانية، وحروب بالوكالة في مناطق النفوذ. فالتكلفة المباشرة لأي مواجهة مفتوحة ستكون باهظة على جميع الأطراف، سياسيا واقتصاديا وعسكريا.
السيناريو الأكثر ترجيحا هو استمرار حالة الردع المتبادل: الولايات المتحدة تحافظ على تفوقها التكنولوجي والعسكري، بينما تراهن إيران على استراتيجيات غير تقليدية، مثل الحرب غير المتماثلة وتوسيع نفوذها الإقليمي، ما يخلق حالة من التوازن الهش دون حسم نهائي.!
وكل ما سبق يدعونا الي كشف النقاب عن شكل الحروب في المستقبل، فنحن بالفعل أمام تحول جذري؛ حيث ستتراجع المواجهات التقليدية لصالح حروب تعتمد على الذكاء الاصطناعي، والهجمات السيبرانية، والطائرات بدون طيار، وأنظمة الأسلحة ذاتية التشغيل. القرار العسكري لن يكون بشريا خالصا كما في السابق، بل مدعوما—وربما مدارا—بخوارزميات قادرة على تحليل البيانات واتخاذ القرار في ثوان.وربما فيمتوثانية!
وهنا يكمن الخطر الأكبر: أن سرعة القرار قد تتجاوز الحكمة السياسية، وأن تتحول الحروب إلى عمليات “صامتة” لا ترى بالعين، لكنها أشد تأثيرا على استقرار الدول والمجتمعات.
في النهاية، يمكن القول إن الحروب القادمة لن تحسم فقط بالقوة، بل بمن يمتلك “العقل الرقمي” الأكثر تطورا… ومن يستطيع التحكم في تدفق المعلومات قبل إطلاق الرصاص.


