بعد المفاوضات..هل انتصرت ايران علي الكبرياء الأمريكي الإسرائيلي

د.فتحي عامر
في لحظات التحول الكبرى، لا تُقاس الانتصارات فقط بعدد الصواريخ أو حجم الدمار، بل بقدرة الإرادة على الصمود، وبموازين القوى التي تتبدل في صمت، قبل أن تعلن عن نفسها صاخبة أمام العالم. هكذا تبدو الصورة اليوم، وهكذا تُقرأ نتائج المواجهة الأخيرة، التي وضعت إيران في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، في اختبار قاسٍ لمعادلات القوة التقليدية.
إيران، الدولة التي عاشت سنوات طويلة تحت وطأة العقوبات الاقتصادية الخانقة، وتعرضت لعزلة دولية ومحاولات تطويق سياسي، لم تنهَر، بل أعادت ترتيب أوراقها، ونجحت – وفق هذه الرواية – في فرض معادلة جديدة، جعلت من خصومها يعيدون التفكير، لا في كيفية هزيمتها، بل في كيفية التفاهم معها.
المشهد يبدو لافتًا؛ دولة محاصرة، أموالها مجمدة في الخارج، تعاني من ضغوط اقتصادية، لكنها تصمد، وتفاوض، وتنتزع – كما يقال – اعترافًا ضمنيًا بثقلها. الحديث عن تقديم الولايات المتحدة عشرات المليارات من الدولارات، سواء مقابل ترتيبات نووية أو كتعويضات، يعكس تحولًا في لغة الخطاب، من التهديد والوعيد إلى التهدئة والاحتواء.
وليس المال وحده هو الدلالة، بل ما هو أعمق: الإفراج عن الأرصدة، ورفع العقوبات، وإقرار واقع السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز، ذلك الشريان الحيوي الذي تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة النفط العالمية. هنا لا نتحدث فقط عن مكسب سياسي، بل عن اعتراف بدور جيوسياسي لا يمكن تجاوزه.
وفي المقابل، تنخفض أسعار النفط مع توقف الحرب، وكأن الأسواق العالمية تلتقط أنفاسها، وتستجيب سريعًا لأي إشارة استقرار، مهما كانت هشة. فالاقتصاد، بطبيعته، لا يحتمل المغامرات الطويلة، ويبحث دائمًا عن الحد الأدنى من اليقين.
اللافت أيضًا، هو مشهد الشكر الأمريكي لدول المنطقة، من الخليج إلى مصر، بل وحتى الإشادة بدور باكستان كوسيط. هذه الإشارات تحمل في طياتها اعترافًا بأن إدارة الأزمات في الشرق الأوسط لم تعد حكرا على قوة واحدة، بل أصبحت عملية معقدة، تشارك فيها أطراف متعددة، لكل منها حساباته ومصالحه.
لكن، هل يعني ذلك أن موازين القوة انقلبت بالكامل؟ أم أننا أمام هدنة مؤقتة، تعيد ترتيب المشهد دون أن تنهي الصراع؟
الحقيقة أن ما جرى – إذا صحّت كل تفاصيله – يبعث برسالة واضحة: أن من يمتلك أوراق الضغط، ويُحسن استخدامها، يمكنه أن يفرض شروطه، حتى في مواجهة قوى كبرى. وإيران، في هذا السياق، تقدم نموذجا لدولة اختارت الصمود والمناورة بدلًا من الانكسار.
غير أن قراءة المشهد بعين واحدة قد تكون مضللة. فالسياسة لا تعرف انتصارات مطلقة، ولا هزائم نهائية. وما يبدو اليوم تفوقًا، قد يتحول غدًا إلى تحدٍ جديد، في منطقة لا تهدأ، ولا تكف عن إعادة إنتاج أزماتها.
ورغم ذلك، يبقى الدرس الأهم: أن القوة ليست دائما في التفوق العسكري فقط، بل في القدرة على التحمل، وعلى تحويل الضغوط إلى أوراق تفاوض. وهنا، يصبح الهتاف “تحيا إيران” ليس مجرد انحياز عاطفي، بل تعبيرا عن دهشة من قدرة دولة على الصمود في وجه العاصفة.
لكن التاريخ، كعادته، سيحتفظ بالحكم النهائي… حين تهدأ العواصف حقًا، لا حين تتوقف مؤقتا!!


