مقالات

إعجاز التشريع الإسلامي بين القوانين الوضعية وشهادات العقول الغربية

 

يكتب : ياسر إبراهيم عبيدو

في كل مرحلة من مراحل التاريخ الإنساني، تقف البشرية عاجزة أمام بناء منظومة قانونية متكاملة تحقق العدالة المطلقة دون أن تشوبها ثغرات الهوى البشري أو القصور الفكري. وتظل القوانين الوضعية ,مهما بلغت من التعقيد وصيغت في مجلدات ضخمة عرضة للتعديل والتغيير والتمييز، بينما يقدم التشريع الإسلامي نموذجاً فريداً يقترن فيه المفهوم القانوني بالعدل الإلهي المطلق، مصداقاً لقوله تعال”{أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ” المائدة: 50.

تتجلى هذه الحقيقة في تجارب العديد من مفكري القانون في الغرب الذين قادتهم دراسة التشريع المقارن إلى إدراك عمق الشريعة الإسلامية وربانيتها.

ومن أبرز هؤلاء القانوني الأمريكي الراحل الدكتور “روبرت كرين” (فاروق عبد الحق)، الذي شغل مناصب استشارية رفيعة في الإدارة الأمريكية وحصل على أرفع المؤهلات القانونية من جامعة هارفارد؛ إذ وجد أن المنظومة القانونية الغربية على الرغم من تضخم متونها تفتقر إلى صياغة شاملة لمفهوم العدالة المجردة، في حين يتجلى هذا العدل في أبهى صوره داخل أركان الفقه والتشريع الإسلامي.

أبعاد الإعجاز التشريعي في علم الفرائض

تعتبر أحكام المواريث في الشريعة الإسلامية نموذجاً حياً وجلياً للإعجاز القانوني الذي يقف أمامه خبراء القانون في دهشة واستحسان،

وتتلخص أبرز معالم هذا الإعجاز في النقاط التالية:

الشمول والإيجاز: صيغت أحكام التركات والمواريث التي تستوعب كافة علاقات القربى والقرابة في آيات معدودة من سورة النساء، محددة الأنصبة الشرعية بدقة متناهية لا تدع مجالا للنزاع أو الهوى الإنساني، في مقابل مجلدات وضعية ضخمة تعجز عن إحاطة هذه التوازنات المعقدة.

العدل المطلق والتوازن الاقتصادي: خيث لم تربط الشريعة توزيع الأنصبة بالقيم الذكورية أو الأنوثية لمجرد الجنس، بل ربطتها بمسؤوليات العبء المالي والالتزامات الاجتماعية ومراحل الجيل، مما يحقق التوازن والاستقرار الاقتصادي داخل الأسرة والمجتمع.

الحصانة من الهوى البشري: تولى الله سبحانه وتعالى قسمة المواريث بنفسه ولم يكلها إلى ملك مقرب ولا نبي مرسل، لقطع الطريق على الاجتهادات الفردية أو التمييز بين الورثة، وختم الآيات بقوله جل وعلا “فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيم”النساء: 11

إن القراءة المنصفة للتشريع الإسلامي تنتهي دائماً إلى إدراك أن هذا الدين لم يأتِ بمجرد شعارات أخلاقية، بل أرسى قواعد دستور قانوني واجتماعي متكامل يصون الحقوق ويقيم العدل بين الناس. وإن شهادات خبراء القانون الغربيين ليست إلا تأكيداً على أن الشريعة الإسلامية بثرائها ومقاصدها السامية تظل المصدر الأسمى للعدالة الإنسانية الشاملة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى