*صموئيل العشاي يتساءل*: أين نحن من خطر الخلايا النائمة للإخوان وحروب الشائعات عبر مواقع التواصل الاجتماعي؟

في ظل التحديات الإقليمية المعقدة التي تواجهها المنطقة، تخوض الدولة المصرية معركة مستمرة للحفاظ على أمنها القومي واستقرارها الداخلي، وسط محاولات متكررة من جماعة الإخوان المسلمين، المصنفة تنظيماً إرهابياً في مصر، لإعادة إنتاج الفوضى عبر ما يُعرف بـ«الخلايا النائمة» التي تنشط بصورة غير مباشرة داخل المجتمع وعبر الفضاء الرقمي.
وخلال عامي 2025 و2026، تصاعدت التحذيرات الأمنية والإعلامية من تحركات هذه الخلايا، التي تعتمد على أساليب جديدة تقوم على الحرب النفسية والتأثير الإلكتروني، بدلاً من المواجهة التقليدية. إذ باتت منصات التواصل الاجتماعي تمثل الساحة الرئيسية التي تتحرك من خلالها الجماعة لنشر الشائعات، تضليل الرأي العام، وبث مشاعر الغضب والإحباط بين المواطنين.
تحول استراتيجي بعد 30 يونيو
منذ سقوط حكم الجماعة عقب ثورة 30 يونيو 2013، وتوجيه ضربات أمنية واسعة للتنظيم، اضطرت قيادات الإخوان إلى إعادة بناء شبكاتها بصورة مختلفة. فبدلاً من الهيكل التنظيمي العلني، اتجهت الجماعة إلى نموذج أكثر مرونة يعتمد على خلايا صغيرة غير معلنة الانتماء، تتحرك بهدوء داخل المجتمع، وتعمل على استغلال أي أزمة سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية لإثارة الجدل والفوضى.
وقد انتقلت قيادات بارزة إلى الخارج، خاصة في تركيا وبعض الدول الداعمة، بينما تولت العناصر الداخلية مهمة إدارة الحملات الرقمية، والتواصل مع المجموعات الشبابية عبر تطبيقات مثل “تيليجرام”، “فيسبوك”، “إكس”، و”تيك توك”.
تشير المتابعات إلى أن الجماعة طورت ما يمكن وصفه بـ«الدعوة الرقمية 2.0»، وهي استراتيجية تعتمد على مخاطبة الشباب، خصوصاً جيل Z، باستخدام محتوى عاطفي يركز على الأزمات المعيشية، والقضايا الإقليمية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، بهدف خلق حالة من الاحتقان النفسي والتشكيك المستمر في مؤسسات الدولة.
وتعتمد هذه الحملات على نشر مقاطع فيديو مفبركة أو مجتزأة لإظهار الوضع الداخلي بصورة مضطربة. وتضخيم أي حادث فردي وتحويله إلى قضية رأي عام.
وايضاً استغلال الأزمات الاقتصادية أو الحوادث الأمنية لإشعال موجات غضب مؤقتة. ونشر شائعات حول مؤسسات الدولة أو أوضاع السجون أو شخصيات عامة. والترويج لمزاعم غير موثقة عن احتجاجات أو انهيارات أمنية بهدف إثارة البلبلة.
كما برزت حملات إلكترونية مثل ما عُرف بحملة “إسناد”، التي هدفت إلى تجميع فيديوهات ومقاطع احتجاجية وإعادة تدويرها إعلامياً عبر منصات خارجية لإظهار مصر وكأنها تعيش حالة اضطراب دائم.
التقارير والمتابعات الأمنية خلال الفترة الأخيرة كشفت أيضاً عن محاولات لإحياء بعض الأذرع المرتبطة بالتنظيم، مثل حركة “حسم”، من خلال بث مواد دعائية وتدريبات مصورة ورسائل تحريضية عبر الإنترنت، في محاولة لإعادة تقديم فكرة “المقاومة المسلحة” بصورة دعائية جديدة تستهدف الشباب المتحمس والغاضب.
ويرى مراقبون أن الجماعة تسعى إلى تنفيذ استراتيجية “الاستنزاف المعنوي”، أي إنها لا تراهن على إسقاط الدولة بشكل مباشر، بقدر ما تعمل على إنهاك المجتمع نفسياً، وإضعاف الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، عبر موجات متكررة من التشكيك والشائعات وإثارة الجدل.
في المقابل، كثفت الدولة المصرية جهودها لمواجهة هذه التحركات، من خلال تطوير أدوات الرصد الإلكتروني، وتتبع مصادر التمويل، وملاحقة الشبكات الرقمية التي تدير الحملات التحريضية. كما أعلنت الجهات المعنية إحباط العديد من المحاولات المرتبطة بتشكيل خلايا إرهابية أو نشر محتوى تحريضي عبر الإنترنت.
وشهدت السنوات الأخيرة إصدار تشريعات وتنظيمات أكثر صرامة تتعلق باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة فيما يتعلق بمكافحة الأخبار الكاذبة وحماية القاصرين من الاستقطاب الإلكتروني.
كما رحبت مصر بقرارات وتصنيفات دولية استهدفت أفرع الجماعة وبعض الكيانات المرتبطة بها، معتبرة أن ذلك يعكس تنامياً في الإدراك الدولي لخطورة التنظيمات العابرة للحدود التي تستخدم الإعلام الرقمي كوسيلة لزعزعة الاستقرار.
تراجع التأثير والانقسام الداخلي
ورغم استمرار محاولات الجماعة لإثارة المشهد، تشير تقديرات عديدة إلى تراجع تأثيرها داخل الشارع المصري مقارنة بما كان عليه الوضع قبل سنوات، نتيجة فقدان الثقة الشعبية والانقسامات الحادة داخل التنظيم نفسه، بين تيارات تدعو إلى “المصالحة” وأخرى تتبنى خطاباً أكثر تشدداً وتصعيداً.
إلا أن خبراء يؤكدون أن خطورة الخلايا النائمة لا تكمن في قوتها العددية، بل في قدرتها على استغلال اللحظات الحساسة، وتوجيه الرأي العام عبر أدوات رقمية سريعة الانتشار، وهو ما يجعل الوعي الشعبي عاملاً حاسماً في مواجهة هذا النوع من الحروب الحديثة.
الحرب اليوم لم تعد فقط بالسلاح، بل بالكلمة والصورة والمعلومة المضللة. لذلك أصبحت معركة الحفاظ على الاستقرار الوطني مرتبطة بشكل مباشر بقدرة المجتمع على التمييز بين الحقيقة والشائعة، وبين النقد المشروع ومحاولات التحريض المنظم.
ويبقى الأمن القومي المصري مسؤولية مشتركة بين مؤسسات الدولة والمواطنين، في مواجهة محاولات بث الفتنة والتشكيك والتجييش الإلكتروني، خاصة في ظل بيئة إقليمية مضطربة تستغلها جماعات وتنظيمات تسعى إلى إعادة إنتاج الفوضى تحت عناوين متعددة.
وفي النهاية، فإن استقرار مصر ووحدتها الوطنية يظلان الهدف الأكبر الذي تسعى الدولة للحفاظ عليه، في مواجهة حروب الجيل الجديد التي تُدار من خلف الشاشات.
https://www.abualhol.news/362467/



