لماذا يفضل البعض أن يكون لاجئ ؟

د.فتحي عامر
في زحام الحياة اليومية داخل القاهرة، تقف أمام الكمين، تُخرج بطاقتك، تتلفت حولك في صمت، وكأنك تُجري طقسًا روتينيًا لا مفر منه. يطلب منك الضابط رخصك، يراجع بياناتك، وربما يذكّرك – بلغة جافة – أن بطاقتك منتهية، وأن عليك الغرامة. تمضي، مثقلاً بإحساس خفي: أنك دائمًا تحت الفحص، دائمًا مطالب بالإثبات.
أنت مصري… هذه ليست جملة عابرة، بل حالة كاملة من الالتزامات. بطاقة يجب أن تُجدد، ضرائب يجب أن تُدفع، أوراق لا تنتهي، ومصالح حكومية لا ترحم من يتأخر أو يخطئ. وإن كنت صاحب محل صغير، فالقصة أطول؛ زيارات لا تنقطع من المحليات، والمرافق، والضرائب، والتأمين الصحي، كلٌ يطلب نصيبه، وكلٌ يملك سلطة التعطيل أو الغلق.
وفي زاوية أخرى من المشهد، تبرز صورة مغايرة تمامًا. لاجئ يعيش بيننا، يتحرك بحرية، لا يقف كثيرًا أمام كمين، ولا يُسأل عن بطاقة أو تجديد. يحصل على دعم من مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ويتمتع بتسهيلات قد لا يحلم بها المواطن نفسه. هنا تبدأ المفارقة التي تُربك العقل وتستفز الشعور.
ليست القضية في وجود اللاجئ، فمصر – عبر تاريخها – كانت ملاذًا لكل محتاج، واحتضنت أشقاءها في الشدائد، من كل الجنسيات، وعلى رأسهم الأشقاء من السودان. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل تحوّل الواجب الإنساني إلى عبء داخلي؟ وهل اختلّ ميزان العدالة بين المواطن والمقيم؟
يقال إن بعض اللاجئين لا يسعون حتى للحصول على الجنسية المصرية، لأنها – في نظرهم – ليست ميزة بل التزام ثقيل. فالجنسية تعني ضرائب، وخدمة عسكرية، والتزامات قانونية كاملة. أما الإقامة، فهي – في بعض الحالات – باب مفتوح لتسهيلات دون مقابل مكافئ.
وفي المقابل، يشعر المواطن البسيط بأن الدولة تُطالبه بكل شيء، بينما تُغدق على غيره بالكثير. هذا الشعور – سواء كان دقيقًا أو مبالغًا فيه – هو أخطر ما في المسألة، لأنه يخلق فجوة نفسية، ويُضعف الإحساس بالعدل، وهو الأساس الذي تقوم عليه الدول.
لكن الحقيقة لا تُبنى على الانفعال وحده. فالدولة المصرية تتحمل عبئًا ضخمًا في استضافة ملايين اللاجئين، وتقدم خدمات تعليمية وصحية لهم في ظل موارد محدودة. كما أن كثيرًا مما يُقال عن “تسهيلات جنونية” يحتاج إلى تدقيق، لأن جزءًا كبيرًا من الدعم يأتي من منظمات دولية، وليس من خزينة الدولة مباشرة.
ومع ذلك، يبقى من حق المواطن أن يتساءل: أين أنا من كل هذا؟ لماذا أشعر أنني أدفع أكثر مما أحصل عليه؟ ولماذا يبدو الطريق أمامي أكثر تعقيدًا من غيري؟
الإجابة لا يجب أن تكون في طرد اللاجئين أو تحميلهم المسؤولية، فذلك لا يليق بتاريخ مصر ولا بدورها. لكن الحل يكمن في إعادة ضبط المعادلة: عدالة واضحة، شفافية في القوانين، ومساواة حقيقية في تطبيقها. المواطن أولًا، نعم… لكن دون أن نفقد إنسانيتنا.
فالوطن ليس مجرد أرض، بل شعور بالإنصاف. وإذا اختل هذا الشعور، ضاع كل شيء… حتى وإن بقيت الأوراق سليمة، والبطاقات مجددة.



