الإخوان في ثوب رقمي: حين يصبح الكذب صناعة متقنة!

د.فتحي حسين
في زمن تتسارع فيه التكنولوجيا بخطى مذهلة، لم يعد الصراع على العقول يدار فقط عبر المنابر التقليدية، بل انتقل إلى فضاءات أكثر خفاء وتأثيرا، حيث تختلط الحقيقة بالوهم، ويعاد تشكيل الوعي بوسائل تبدو في ظاهرها بريئة، لكنها في جوهرها شديدة الخطورة.
ما نشهده اليوم هو محاولة بائسة من جماعة فقدت رصيدها الشعبي والسياسي، فلجأت إلى أدوات جديدة تعتقد أنها قد تعوض فشلها القديم. الغباء ذاته، لكنه يرتدي قناع الذكاء الاصطناعي. فيديوهات مفبركة، أصوات مركبة، وصور معدلة، تبث عبر منصات رقمية بهدف واحد: التشويه، وإعادة إنتاج خطاب مأزوم لم يعد يجد من يصدقه إلا عبر الخداع التقني.
الذباب الإلكتروني لم يعد مجرد حسابات وهمية تكرر الشعارات، بل أصبح منظومة متكاملة تستهدف الأجيال الجديدة بذكاء محسوب. الألعاب الإلكترونية، التي يفترض أن تكون مساحة للترفيه، تحولت في بعض الحالات إلى بوابة تمرير رسائل مشبوهة، تزرع فيها أفكار تدريجية، تبدأ بالفضول وتنتهي بالاستقطاب.
إنها استراتيجية الصياد، لا يهاجم فريسته مباشرة، بل يراقبها، يقترب منها بهدوء، ويغلف الطعم بما يجذبها.
وهنا تكمن الخطورة. فالشباب الذي لم يعاصر التجربة القاسية لهذه الجماعة، قد يقع فريسة لخطاب يبدو إنسانيا أو فنيا أو حتى رياضيا. منصات تتخفى وراء محتوى ترفيهي، لكنها تحمل رسائل موجهة، تعيد تلميع صورة تنظيم لفظه المجتمع.
الأخطر من ذلك هو ما يمكن تسميته بـ”التطبيع الإعلامي“، حين تتحول هذه الكيانات من حالة الرفض المجتمعي إلى القبول التدريجي عبر التكرار والتسلل الناعم. وهنا يفقد المتلقي قدرته على التمييز، خاصة مع اعتماد هذه الجماعات على الرسائل العاطفية التي تخاطب القلب مباشرة، متجاوزة العقل، فتسقط الحواجز النقدية، وتُغيب الوعي.
إن المعركة اليوم لم تعد فقط أمنية أو سياسية، بل هي معركة وعي. مسؤولية تبدأ من الأسرة، وتمر عبر الإعلام، وتصل إلى المؤسسات التعليمية. لا بد من بناء حصانة فكرية، قادرة على كشف الزيف مهما كان متقنًا، وتمييز الحقيقة مهما حاولوا تشويهها.
فالتكنولوجيا، رغم حيادها، تصبح سلاحا في يد من يحسن استخدامها أو يسيء توظيفها. وبين هذا وذاك، يبقى وعي المواطن هو خط الدفاع الأول… والأخير..



